الطريقة الجعفرية بساحة كوم أمبو

دينى - صوفى جعفرى
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 { مختصر تفسير سورة الواقعة }

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مصطفى امام
Admin
avatar

عدد المساهمات : 265
تاريخ التسجيل : 25/09/2011
العمر : 56

مُساهمةموضوع: { مختصر تفسير سورة الواقعة }   الأربعاء أكتوبر 05, 2011 5:40 am





تفسير الآيات:
بسم الله الرحمن الرحيم

{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1)}: إذا قامت القيامة، والواقعة من أسماء القيامة
{لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)}: لا تكون نفس مكذّبة بوقوعها
{خَافِضَةٌ}: للكفار
{رَافِعَةٌ (3)}: للمؤمنين
{إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا (4)}: حُرّكت تحريكاً شديداً
{وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5)}: فُتت الجبال تفتيتاً
{فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6)}: غباراً متفرقاً منتشراً
{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (7)}: أَزْوَاجًا: أصنافاً
{فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (Cool}: الْمَيْمَنَةِ: ناحية اليمين، وتعني في اللغة اليُمن والسعادة
{وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9)}: الْمَشْأَمَةِ: ناحية الشمال، من الشؤم الذي هو ضد اليُمن
{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10)}: المسارعون إلى الإيمان والتوبة وأعمال البر
{أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)}: الْمُقَرَّبُونَ: عند الله الذين نالوا حظوة عنده ورُفعت مراتبهم - اللهم اجعلنا منهم -
{ثُلَّةٌ}: جماعة كثيرة من النّاس
{مِنَ الأَوَّلِينَ (13)}: من الأمم الماضية، وقيل هم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
{وَقَلِيلٌ مِنَ الآَخِرِينَ (14)}: الآَخِرِينَ: أمّة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم ومن تبع صحابته - رضوان الله عليهم - بإحسان ممن جاءوا بعدهم على مر العصور
{عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15)}: على مقاعد منسوجة من الذهب بإحكام
{مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16)}: يجلسون ووجوههم متقابلة
{يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17)}: يخدمهم غلمان يبقون في نضارة الصبا لا يهرمون
{بِأَكْوَابٍ}: بأقداح كبيرة مستديرة لا عُرى لها
{وَأَبَارِيقَ}: لها عُرى
{وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18)}: مَعِينٍ: أي من خمر تجري كما تجري عيون الماء على وجه الأرض
{لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا}: لا يُصيبهم صُداع من شربها
{وَلا يُنْزِفُونَ (19)}: لا تذهب عقولهم بالسكر
{وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20)}: يَتَخَيَّرُونَ: يختارون
{وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21)}: يَشْتَهُونَ: تشتهيه نفوسهم
{وَحُورٌ}: جمع حوراء، هي المرأة الحسناء ، شديدة بياض العين شديدة سواد الحدقة
{عِينٌ (22)}: جمع عيناء، وهي الواسعة العينين
{كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ}: كأنهن في جمال اللؤلؤ
{الْمَكْنُونِ (23)}: المحفوظ في الأصداف في النقاء والصفاء
{جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)}: أي هذا العطاء الآلهي هو مكافأة لهم على ما قدّموه في دنياهم من عمل صالح
{لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا}: لَغْوًا: الباطل والفاحش من الكلام
{وَلا تَأْثِيمًا (25)}: كلاماً فيه إثم
{إِلاَّ قِيلاً سَلامًا سَلامًا (26)}: أي لا يسمعون إلا تحية بعضهم لبعض بالسلام، وقيل تحييهم الملائكة بالسلام
{وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27)}: هم دون (السّابقون) في الدرجة والرتبة
{فِي سِدْرٍ}: شجر النّبق
{مَخْضُودٍ (28)}: منزوع منه الشوك
{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29)}: شجر الموز المرصوص المتراكم بالحمل من أسفله إلى أعلاه
{وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30)}: ظل دائم باق لا يزول
{وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31)}: ماء جار لا ينقطع، يجري في غير أخدود أو مجرى
{وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ}: أي فاكهه لا تنقطع كما تنقطع فواكه الدنيا في بعض الفصول
{وَلا مَمْنُوعَةٍ (33)}: لا يُحال بينهم وبينها أو يُمنعون من تناولها
{وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34)}: نساء رفيعات القدر في الحُسن والكمال
{إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35)}: أي خلق الله نساء الجنّة خلقاً جديداً في غاية الحُسن
{فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36)}: أَبْكَارًا: عذارى
{عُرُبًا}: جمع عَرُوب، وهي المتحببة إلى زوجها
{أَتْرَابًا (37)}: متماثلات في السن
{لأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38)}: وهم:
{ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ (39)}: جماعة من الذين مضوا قبل أمّة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم
{وَثُلَّةٌ مِنَ الآَخِرِينَ (40)}: وجماعة من أمّة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم
{وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41)}: الذين استحقوا العذاب
{فِي سَمُومٍ}: الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن فتؤذيه
{وَحَمِيمٍ (42)}: الماء الشديد الحرارة
{وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43)}: ظل شديد السواد وهو دخان جهنّم
{لا بَارِدٍ}: أي أن هذا الظل لا بارد كسائر الظلال
{وَلا كَرِيمٍ (44)}: ولا نافع لمن يأوي إليه
{إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45)}: مُتْرَفِينَ: متنعّمين بالمحرّمات، مُقبلين على الشهوات
{وَكَانُوا يُصِرُّونَ}: وكانوا يداومون
{عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46)}: على الذنب العظيم، وهو الشرك بالله
{وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47)}: أي يستبعدون أن يُبعثوا أحياءًا بعد الموت
{أَوَآَبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ (48)}: تأكيد للإنكار، أي هل سيُبعث آباؤنا وأجدادنا بعد أن تُبلى أجسادهم
{قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآَخِرِينَ (49)}: أمر لسيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم
{لَمَجْمُوعُونَ}: سيُجمعون
{إِلَى مِيقَاتِ}: إلى وقت معلوم حدده الله سبحانه وتعالى
{يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50)}: هو يوم القيامة





















{ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ}: عن هدى الإسلام
{الْمُكَذِّبُونَ (51)}: بالبعث، وبما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم عن ربه جل وعلا
{لآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52)}: شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ: شجر قبيح المنظر، كريه الطعم
{فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53)}: مُكرهين لما يلحقكم من شدّة الجوع
{فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54)}: ثم إنكم لشاربون عقب أكله من الماء الحار
{فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55)}: الْهِيمِ: الإبل العطاش التي لا ترتوي لداء يصيبها
{هَذَا نُزُلُهُمْ}: هذا ما أُعد لهم من الجزاء والضيافة
{يَوْمَ الدِّينِ (56)}: يوم الجزاء والحساب
{نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ}: خطاب للناس فيه تلطف ورفق بالنفوس لتُقبل على الإيمان بفطرتها
{فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (57)}: فهلاّ تُصدقون بان الله خلقكم، وقيل: المراد هنا التصديق بالبعث
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59)}: تُمْنُونَ: منيّكم الذي تصبونه في الأرحام
{نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ}: قَدَّرْنَا: قضينا وكتبنا
{وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60)}: وما نحن بعاجزين أو مغلوبين
{عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (61)}: أي ننشئكم خلقاً جديداً في صفات لا تعلمونها وعلى غير صوركم في الدنيا
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى}: النَّشْأَةَ الأُولَى: أي حين خلقكم الله أول مرة في الدنيا
{فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (62)}: فهلاّ تتذكرون ذلك وتتعضون
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63)}: مَا تَحْرُثُونَ: تهيئون الأرض للزراعة وتلقون فيها الحب
{أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)}: أأنتم تنبتونه في الأرض وتجعلونه يُخرج حبّاً وثمراً؟
{لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا}: حُطَامًا: ما تكسّر من الحشيش اليابس
{فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65)}: فظللتم تتعجبون وتحزنون على ما حلّ بالزرع
{إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66)}: إننا معذبون بذهاب رزقنا بدون عوض
{بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67)}: حُرمنا الرزق الذي كنا ننتظره
{أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69)}: الْمُزْنِ: السُحُب
{لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا}: أُجَاجًا: شديد الملوحة
{فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (70)}: فهلاّ تشكرون نعمة الله عليكم بإنزاله الماء العذب من السّحاب - اللهم نحمدك حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه -
{أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72)}: تُورُونَ: تقدحون، تشعلون
{نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً}: جعل الله نار الدنيا تذكيراً لنار جهنّم
{وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73)}: منفعة للمسافرين النازلين في الأرض القفر
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)}: قدّس ونزه ربك العظيم من كل سوء
- سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم -










{فَلا أُقْسِمُ}: تأكيد القسم، أو أن الأمر هو من العِظَم بحيث لا يحتاج إلى قسم
{بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)}: مواضعها في السماء
{وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)}: أي لو علمتم حقيقة النجوم ومواقعها، لرأيتم أن القسم بها هو قسم عظيم
{إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77)}: لفظ (كريم) اسم جامع لما يُحمد
{فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)}: مَكْنُونٍ: مصون محفوظ من التغيير والتبديل
{لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79)}: قيل: هم الملائكة الموصوفون بالطهارة من الشرك والذنوب، وقيل: لا يجد نفعه وبركته إلاّ المطهرون، أي المؤمنون، وقيل: لا يمسه إلاّ المطهرون من الجنابة، أمّا مسّه على غير وضوء فقد أختلف فيه فأجاز البعض إذا كان المس للتعلّم ومنع البعض الآخر.
{تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80)}: هذا القرآن الكريم منزّل من عند رب العالمين، وهوالحق الذي لا ريب فيه
{أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81)}: مُدْهِنُونَ: مُكذّبون، منافقون
{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ}: تجعلون شُكركم على ما رزقكم الله وانعم عليكم
{أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)}: تكذّبون بنعمة الله، فتضعون التكذيب موضع الشكر
{فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83)}:أي بلغت الروح الحلق عند الاحتضار
{وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84)}: تَنْظُرُونَ: تنظرون إلى المحتضر ولا تستطيعون فعل شئ له
{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85)}: بعلمه وقدرته جل وعلا
{فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86)}: غَيْرَ مَدِينِينَ: غير مجزيين ومحاسبين على أعمالكم
{تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87)}: تَرْجِعُونَهَا: تعيدون الروح إلى الجسد بعدما بلغت الحلقوم
{فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88)}: الْمُقَرَّبِينَ: السّابقين في الإيمان والعمل الصّالح
{فَرَوْحٌ}: راحة، وقيل رحمة
{وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89)}: رَيْحَانٌ: الرزق في الجنّة
{وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90)}: الذين سبق ذكرهم
{فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91)}: أي أنهم يدعون لك يا محمد ويُسلّمون عليك، وقيل: سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين
{وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ}: الْمُكَذِّبِينَ: بالبعث
{الضَّالِّينَ (92)}: عن الهدى
{فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93)}: فضيافتهم من ماء شديد الحرارة
{وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)}: دخول النّار ومقاساة عذابها
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95)}: الْيَقِينِ: هو الحق، وقد اقتنع به الإنسان بما لا مجال للشك فيه
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)}: قدّس ونزهه ربك العظيم من كل سوء
- سبحانك ربي رب العزّة عمّا يصفون، وسلام على المُرسلين، والحمد لله رب العالمين -
صدق الله العظيم
-------------------






















( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون )(يس:80)

فتفاسير السلف الصالح قد اتفقت على إعطاء كلمة " النار" المعنى الأولي لها،وجعلت منها النار المحرقة المعروفة لدى الإنسان، فيصبح المعنى المنطقي للآية أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الشجر من الماء حتى صار أخضراً نضراً، ثم، وبخروج الماء منه، ييبس ويصبر حطباً قابل الإشعال، فتوقد به النار(مختصر تفسير بن كثير).

وقد ذهب السيد قطب أبعد من المشاهدة الأولية الساذجة، إلى المعرفة العلمية العميقة لطبيعة الحرارة التي يختزنها الشجر من الطاقة الشمسية فيمتصها ويحتفظ بها، وهو ريان بالماء ناضر بالخضرة، والّتي تولد النار عند الإحتكاك، كما تولد النار عند الاحتراق، وذلك بالرجوع لنوعين من الأشجار المعروفة عند العرب وهما ألمرخ والعفار، والتي تستطيع أغصانها وهي خضراء قدح النار(في ظلال القرآن).

أما محمد علي الصابوني فكان له نفس اتجاه الطبري،إذ قال:
" جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً تحرق الشجر،لا يمتنع عليه فعل ما أراد ولا يبعد.(صفوة التفاسير)،

وقال أبو حيان:
" ذّكر تعالى ما هو أغرب، وهو إبراز الشيء من ضده، وذلك أبدع شيء وهو اقتداح النار من الشيء الأخضر،ألا ترى أن الماء يطفأ النار ومع ذلك خرجت مما هو مشتمل على الماء ًا.

فهذه التفاسير سواء المنطقي منها أو الفلسفي، لا يشوبنا شك في صحتها، ولا يدور بخلدنا أن ننتقص منها، بل تبقى قائمة منذ ظهورها وحتى آخر الزمن، ولكن - وهنا تكمن معجزة الاستمرارية في القرآن،ومواكبته لكل التحوّلات والحضارات،واشتماله على كل ما قد يصل إليه الإنسان من علم واختراعات، (ما فرطنا في الكتاب من شيء) - نستطيع، وبرؤية علمية حديثة، أن نضيف إلى التفاسير السابقة تفسيرا جديدا، فلفظ (الشّجر الأخضر) مباشرة قبل لفظ (النّار) كان يشدّ انتباهي دائماً بأن هناك معجزة أو إعجاز أراد الرّحمن أن يمتحن به اجتهادنا ورغبتنا في الإطلاع والإلمام بأمور ديننا، حتّى وقعت على كتاب لعالمة في الأحياء النّباتيّة بالفرنسيّة عنوانه: ٌنار حقيقيّة فوق الأشجار المورقةٌ فكانت المرة الثانية بعد الآية الكريمة من سورة يس - وللّه المثل الأعلى - التي أرى فيها ربطاً بين الشجر المورق (أي الأخضر) وبين الناّر، والكتاب يتناول عمليّة التّركيب الضوئي أو La photosynthèse ويبيّن بالتّجارب العلميّة أنّها تجعل الشجر الأخضر المورق يضطرم ( نارا ) لا يعلم بها إلاّ خالقها ولا تراها العين البشريّة القاصرة.



عملية التركيب الضوئي هي عملية معقدة جداً يتم فيها إنتاج سكر الجليكوز


فعمليّة التركيب الضّوئي هي عمليّة مركّبة من مرحلتين:
مرحلة (ضوئيّة) تتم خلال النّهار وتستلزم وجود أشعّة الشّمس، تمتصّ خلالها الأوراق ثاني أكسيد الكربون CO2 من الهواء بمساعدة ( اليخضور ) La chlorophylle وهو العنصر الأخضر اللّون الموجود على الأوراق - خاصّة في الجهة الّتي تستقبل أشعّة الِشّمس، ( وكذلك على بعض أنواع البكتيريا )، تتشكّل خلالها وحدات طاقيّة أو مخزّنات للطاقة الكيماويّة تدعى ATP و NADPH ( هذه الأخيرة هي المسؤولة عن جمع الطّاقة الصّادرة عن سقوط الإلكترون من مستوى معيّن إلى مستوى أدنى منه في ذرّات الكربون،بسبب أشعّة الشّمس ) وحاصل هذه المرحلة الأولى هو إطلاق ثاني الأكسجين Le dioxide أو O2 من الورقة.

أمّا المرحلة الثاّنية ( المُظلمة )، وتسمى كذلك لاستغنائها عن أشعّة الشّمس، ولذلك هي تتمّ خلال اللّيل، فبفضل الطّاقة المخزّنة في تلك الوحدات الطّاقية يتمّ تحوّل الكربون الذي يحتويه ثاني أكسيد الكربون، وفي مفاعلة كيماويّة مع الماء الذي تمتصّه الجذور،إلى سكّر الجليكوز Glucose المغذّي للنّبتة ،وحاصل هذه المرحلة هو الغاز الكربوني الفائض وبخار الماء،وطاقة كيماويّة تقدّر ب42كج لكل ّجليكوز,وهذه العمليّة المعقّدة الّتي تجري كلّ يوم على سطح الأوراق الخضراء، تتحوّل الورقة إلى معمل كيماوي مُصغّر،حيث يتمّ خلالها تحويل المواد المعدنيّة من ماء وثاني أكسيد الكربون، إلى مواد عضويّة ( سكّر الجليكوز ) تعتمد عليها النّبتة في غذائها، بفضل تلك المُخزّنات الطّاقية الّتي سهّلت التفاعلات الكيماوية، والتي لولا أشعّة الشّمس لما وجدت ولما أمكن لعمليّة التّركيب الضّوئي أن تتم .

ATP + H2O ---------------------------> AMP + Pi + Pi
.

















أما بالنسبة للآيات التّالية:
( أفرأيتم النار التي تورون*أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون*نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين*فسبح باسم ربك العظيم )(الواقعة:71-74)،
فقد رجعت إلى نفس التفاسير المذكورة (ابن كثير والصابوني وسيد قطب والمراغي) فكان لـ (النّار) نفس المعنى الأولي الذي أُعطي لها في الآية الكريمة من سورة يس، أي النّار المشتعلة المُحرقة، و (المقوين) لغوياً تعني النّازلين بأرض قواء، أي المسافرين،أما (التذكرة) فهي تذكير لنار جهنّم والعياذ بالله، و(متاع) أي منفعة، فهم يوقدون النار لهداية الضال ولطهي الطعام وللاستئناس.

يقول أحمد مصطفى المراغي:
نحن جعلناها النار المتبصّرة في أمر البعث،حيث علّقنا بها أسباب المعاش لينظروا إليها ويذكروا بها ما أوعدوا به،ومنفعة لهم من القواء والمفاوز من المسافرين،فكم من قوم سافروا ثم أرملوا فأحجوا نارا فاستدفأوا وانتفعوا بها.

أما محمد علي الصابوني فقد رجع لشجرتي ألمرخ والعفار اللتان تقدحان النار رغم اخضرارهما،لشرح قوله تعالىSad أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون ) ًو(التذكرة)هي تذكير لنار جهنّم والعياذ بالله، و(المتاع)أي منفعة للمسافرين،فانتفاعهم بالنار أكثر من المقيمين للاستئناس والطهي.

وقال بن عبّاس ومجاهد:
يعني بالمقوين المسافرين،واختاره بن جرير،وقال ليث عن مجاهد:للحاضر والمسافر،لكل طعام لا يصله إلا النار،وعنه للمقوين ،أي المستمتعين من الناس أجمعين،وهذا التفسير أعم من غيره،ثم من لطف الله تعالى أن أودعها الأحجار وخالص الحديد،بحيث يتمكن المسافر من حمل ذلك في متاعه وبين ثيابه.

فما هي العلاقة المباشرة بين النار والسفر؟
وهل التذكير بعذاب النار لا يعقله سوى المنتقلون من مكان للآخر؟
وهل الانتفاع بها هو خاص بالمسافرين؟
هل يكون المعنى هو فقط ما كان يوقده العرب خلال رحلاتهم لطهي الطعام وللإستاناس مثلا؟
ولكن هي أيضاً (متاع)، والمتاع يحمله المسافر بصورة دائمة، وتلك النار كانت توقد لسوّيعات قصيرة ثم تطفأ ليسير الركب في طريقه بدونها، إذن عن أي (مسافرين حملة النار) تكلّمت الآية الكريمة؟

الجواب، والله أعلم ، هم نحن، راكبوا السيّارات والبواخر والطائرات،التي تتزوّد بالمحروقات ليمكنها الاشتغال والحركة، أليست هذه المحروقات من بنزين وكيروسين هي التي تزود المحرك بطاقة ميكانيكيّة لتمكّنه من العمل؟ أليست (متاعا) إذا غاب توقّفت الحركة؟ أليست كذلك تذكرة لنا.
- ونحن نطير في الأجواء على متن طائرة أو نمخر عباب البحر على متن باخرة - بأن الله جلّ جلاله هو من سخّرها لنا لنصل إلى ما وصلنا إليه؟
وهذا النّوع من الطّاقة لا يرتبط بصفة مباشرة مع الشّمس


هذه السيّارة تسير بدون وقود بل ببطّارية تختزن الطّاقة الشمسية تبين بكل وضوح أن أشعة الِشمس بإمكانها -مثل المحروقات-أن تمدّ المحرك بطاقة ميكانيكيّة تمكنه من الاشتغال، فهي إذن مصدر محتمل لهذه الطاقة.


فباستطاعة أشعة الشمس إذن ،إنتاج أنواع عديدة من الطاقة،الكيماوية والميكانيكيّة وحتى الحرارية التي أصبح جاري بها العمل في المنازل والمستشفيات من تسخين الماء والجو والطهي، ومؤخّرا الكهرُبائيّة حيث صنعت بعض الشركات صفائح تقام في أسطح المنازل وتمدُّها بالكهرباء فإذا رجعنا إلى الآية الكريمة من سورة الواقعة:
(أفرأيتم النار التي تورون*أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون)(الواقعة:71 72) وقبلنا بأّن لفظ (النّار) في الآية يتحمّل معنى الطّاقة التي تُسهّل عمل محركات وسائل النقل، فالآية التالية يمكنها أن تتحمل معنى جديد للشّجرة هو (الشمس)، فهذه الشمس التي هي مصدر لأنواع مختلفة من الطّاقة كما رأينا ،أنشأها الله سبحانه وتعالى منشئ كل شيء، تكون قد ذكرت في الآية بلفظ الشجرة فيتجانس المعنى، ويضاف بذلك تفسير جديد يؤكّد تجدّد القرآن الكريم واستمرار معجزته إلى يوم القيامة،وتصبح الآية منّ من الخالق جل جلاله بهذا العطاء الجديد الذي لم يكن له وجود ساعة نزول القرآن وهو الطّاقة،والتي يكون مصدرها في الغالب تلك الشجرة التي لا تخمد ولا يتوقّف نشاطها،ولو توقّف لتوقّف عالمنا بما فيه،أفلا يجب علينا بعد هذا التّذكير أن نسبّح باسم ربّنا العظيم؟ هذين فقط مثالين عن الطاقة والنار في القرآن وهناك أمثلة أخرى.

- سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم -



















[‏1ـ 12‏]‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ‏}‏

يخبر تعالى بحال الواقعة التي لا بد من وقوعها، وهي القيامة التي ‏{‏لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ‏}‏ أي‏:‏ لا شك فيها، لأنها قد تظاهرت عليها الأدلة العقلية والسمعية، ودلت عليها حكمته تعالى‏.‏

‏{‏خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ‏}‏ أي‏:‏ خافضة لأناس في أسفل سافلين، رافعة لأناس في أعلى عليين، أو خفضت بصوتها فأسمعت القريب، ورفعت فأسمعت البعيد‏.‏

‏{‏إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا‏}‏ أي‏:‏ حركت واضطربت‏.‏

‏{‏وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا‏}‏ أي‏:‏ فتتت‏.‏

‏{‏فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا‏}‏ فأصبحت الأرض ليس عليها جبل ولا معلم، قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا‏.‏

‏{‏وَكُنْتُم‏}‏ أيها الخلق ‏{‏أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً‏}‏ أي‏:‏ انقسمتم ثلاث فرق بحسب أعمالكم الحسنة والسيئة‏.‏

ثم فصل أحوال الأزواج الثلاثة، فقال‏:‏ ‏{‏فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ‏}‏ تعظيم لشأنهم، وتفخيم لأحوالهم‏.‏

‏{‏وَأَصْحَابُ الْمَشئَمَةِ‏}‏ أي‏:‏ الشمال، ‏{‏مَا أَصْحَابُ الْمَشئَمَة‏}‏ تهويل لحالهم‏.‏

‏{‏وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ أي‏:‏ السابقون في الدنيا إلى الخيرات، هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات‏.‏

أولئك الذين هذا وصفهم، المقربون عند الله، في جنات النعيم، في أعلى عليين، في المنازل العاليات، التي لا منزلة فوقها‏.‏

وهؤلاء المذكورون ‏{‏ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ‏}‏ أي‏:‏ جماعة كثيرون من المتقدمين من هذه الأمة وغيرهم‏.‏

‏[‏14‏]‏ ‏{‏وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ‏}‏

وهذا يدل على فضل صدر هذه الأمة في الجملة على متأخريها، لكون المقربين من الأولين أكثر من المتأخرين‏.‏

والمقربون هم خواص الخلق، ‏{‏عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ‏}‏ أي‏:‏ مرمولة بالذهب والفضة، واللؤلؤ، والجوهر، وغير ذلك من ‏[‏الحلي‏]‏ الزينة، التي لا يعلمها إلا الله تعالى‏.‏

‏{‏مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ على تلك السرر، جلوس تمكن وطمأنينة وراحة واستقرار‏.‏ ‏{‏مُتَقَابِلِينَ‏}‏ وجه كل منهم إلى وجه صاحبه، من صفاء قلوبهم، وحسن أدبهم، وتقابل قلوبهم‏.‏

‏[‏17‏]‏ ‏{‏يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ‏}‏

أي‏:‏ يدور على أهل الجنة لخدمة وقضاء حوائجهم، ولدان صغار الأسنان، في غاية الحسن والبهاء، ‏{‏كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ‏}‏ أي‏:‏ مستور، لا يناله ما يغيره، مخلوقون للبقاء والخلد، لا يهرمون ولا يتغيرون، ولا يزيدون على أسنانهم‏.‏

ويدورون عليهم بآنية شرابهم ‏{‏بِأَكْوَابٍ‏}‏ وهي التي لا عرى لها، ‏{‏وَأَبَارِيقَ‏}‏ الأواني التي لها عرى، ‏{‏وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ‏}‏ أي‏:‏ من خمر لذيذ المشرب، لا آفة فيها‏.‏

‏{‏لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا‏}‏ أي‏:‏ لا تصدعهم رءوسهم كما تصدع خمرة الدنيا رأس شاربها‏.‏

ولا هم عنها ينزفون، أي‏:‏ لا تنزف عقولهم، ولا تذهب أحلامهم منها، كما يكون لخمر الدنيا‏.‏

والحاصل‏:‏ أن جميع ما في الجنة من أنواع النعيم الموجود جنسه في الدنيا، لا يوجد في الجنة فيه آفة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى‏}‏ وذكر هنا خمر الجنة، ونفى عنها كل آفة توجد في الدنيا‏.‏

‏{‏وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ مهما تخيروا، وراق في أعينهم، واشتهته نفوسهم، من أنواع الفواكه الشهية، والجنى اللذيذ، حصل لهم على أكمل وجه وأحسنه‏.‏

‏{‏وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ‏}‏ أي‏:‏ من كل صنف من الطيور يشتهونه، ومن أي جنس من لحمه أرادوا، وإن شاءوا مشويا، أو طبيخا، أو غير ذلك‏.‏

‏{‏وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ‏}‏ أي‏:‏ ولهم حور عين، والحوراء‏:‏ التي في عينها كحل وملاحة، وحسن وبهاء، والعين‏:‏ حسان الأعين وضخامها وحسن العين في الأنثى، من أعظم الأدلة على حسنها وجمالها‏.‏

‏{‏كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ‏}‏ أي‏:‏ كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي، المستور عن الأعين والريح والشمس، الذي يكون لونه من أحسن الألوان، الذي لا عيب فيه بوجه من الوجوه، فكذلك الحور العين، لا عيب فيهن ‏[‏بوجه‏]‏، بل هن كاملات الأوصاف، جميلات النعوت‏.‏

فكل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما يسر الخاطر ويروق الناظر‏.‏

وذلك النعيم المعد لهم ‏{‏جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ فكما حسنت منهم الأعمال، أحسن الله لهم الجزاء، ووفر لهم الفوز والنعيم‏.‏

‏{‏لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا‏}‏ أي‏:‏ لا يسمعون في جنات النعيم كلاما يلغى، ولا يكون فيه فائدة، ولا كلاما يؤثم صاحبه‏.‏

‏{‏إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا‏}‏ أي‏:‏ إلا كلاما طيبا، وذلك لأنها دار الطيبين، ولا يكون فيها إلا كل طيب، وهذا دليل على حسن أدب أهل الجنة في خطابهم فيما بينهم، وأنه أطيب كلام، وأسره للنفوس وأسلمه من كل لغو وإثم، نسأل الله من فضله‏.‏

‏[‏27‏]‏ ثم ذكر نعيم أصحاب اليمين فقال‏:‏

‏{‏وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ‏}‏ أي‏:‏ شأنهم عظيم، وحالهم جسيم‏.‏

‏{‏فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ‏}‏ أي‏:‏ مقطوع ما فيه من الشوك والأغصان ‏[‏الرديئة‏]‏ المضرة، مجعول مكان ذلك الثمر الطيب، وللسدر من الخواص، الظل الظليل، وراحة الجسم فيه‏.‏

‏{‏وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ‏}‏ والطلح معروف، وهو شجر ‏[‏كبار‏]‏ يكون بالبادية، تنضد أغصانه من الثمر اللذيذ الشهي‏.‏

‏{‏وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ‏}‏ أي‏:‏ كثير من العيون والأنهار السارحة، والمياه المتدفقة‏.‏

‏{‏وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ‏}‏ أي‏:‏ ليست بمنزلة فاكهة الدنيا تنقطع في وقت من الأوقات، وتكون ممتنعة ‏[‏أي‏:‏ متعسرة‏]‏ على مبتغيها، بل هي على الدوام موجودة، وجناها قريب يتناوله العبد على أي حال يكون‏.‏

‏{‏وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ‏}‏ أي‏:‏ مرفوعة فوق الأسرة ارتفاعا عظيما، وتلك الفرش من الحرير والذهب واللؤلؤ وما لا يعلمه إلا الله‏.‏

‏{‏إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً‏}‏ أي‏:‏ إنا أنشأنا نساء أهل الجنة نشأة غير النشأة التي كانت في الدنيا، نشأة كاملة لا تقبل الفناء‏.‏

‏{‏فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا‏}‏ صغارهن وكبارهن‏.‏

وعموم ذلك، يشمل الحور العين ونساء أهل الدنيا، وأن هذا الوصف ـ وهو البكارةـ ملازم لهن في جميع الأحوال، كما أن كونهن ‏{‏عُرُبًا أَتْرَابًا‏}‏ ملازم لهن في كل حال، والعروب‏:‏ هي المرأة المتحببة إلى بعلها بحسن لفظها، وحسن هيئتها ودلالها وجمالها ‏[‏ومحبتها‏]‏، فهي التي إن تكلمت سبت العقول، وود السامع أن كلامها لا ينقضي، خصوصا عند غنائهن بتلك الأصوات الرخيمة والنغمات المطربة، وإن نظر إلى أدبها وسمتها ودلها ملأت قلب بعلها فرحا وسرورا، وإن برزت من محل إلى آخر، امتلأ ذلك الموضع منها ريحا طيبا ونورا، ويدخل في ذلك الغنجة عند الجماع‏.‏

والأتراب اللاتي على سن واحدة، ثلاث وثلاثين سنة، التي هي غاية ما يتمنى ونهاية سن الشباب، فنساؤهم عرب أتراب، متفقات مؤتلفات، راضيات مرضيات، لا يحزن ولا يحزن، بل هن أفراح النفوس، وقرة العيون، وجلاء الأبصار‏.‏

‏{‏لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ‏}‏ أي‏:‏ معدات لهم مهيئات‏.‏

‏{‏ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ هذا القسم من أصحاب اليمين عدد كثير من الأولين، وعدد كثير من الآخرين‏.‏

‏[‏41ـ 48‏]‏ ‏{‏وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ‏}‏

المراد بأصحاب الشمال ‏[‏هم‏:‏‏]‏ أصحاب النار، والأعمال المشئومة‏.‏

فذكر ‏[‏الله‏]‏ لهم من العقاب، ما هم حقيقون به، فأخبر أنهم ‏{‏فِي سَمُومٍ‏}‏ أي‏:‏ ريح حارة من حر نار جهنم، يأخذ بأنفاسهم، وتقلقهم أشد القلق، ‏{‏وَحَمِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ ماء حار يقطع أمعاءهم‏.‏

‏{‏وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ‏}‏ أي‏:‏ لهب نار، يختلط بدخان‏.‏
التوقيع

ان توقد شمعة خير من تلعن الظلام






















{‏لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ لا برد فيه ولا كرم، والمقصود أن هناك الهم والغم، والحزن والشر، الذي لا خير فيه، لأن نفي الضد إثبات لضده‏.‏

ثم ذكر أعمالهم التي أوصلتهم إلى هذا الجزاء فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ‏}‏ أي‏:‏ قد ألهتهم دنياهم، وعملوا لها، وتنعموا وتمتعوا بها، فألهاهم الأمل عن إحسان العمل، فهذا هو الترف الذي ذمهم الله عليه‏.‏

‏{‏وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ‏}‏ أي‏:‏ وكانوا يفعلون الذنوب الكبار ولا يتوبون منها، ولا يندمون عليها، بل يصرون على ما يسخط مولاهم، فقدموا عليه بأوزار كثيرة ‏[‏غير مغفورة‏]‏‏.‏

وكانوا ينكرون البعث، فيقولون استبعادا لوقوعه‏:‏ ‏{‏أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ‏}‏ أي‏:‏ كيف نبعث بعد موتنا وقد بلينا، فكنا ترابا وعظاما‏؟‏ ‏[‏هذا من المحال‏]‏ ‏{‏أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ‏}‏ قال تعالى جوابا لهم وردا عليهم ‏:‏

‏{‏قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ والآخرين لمجموعون إلى ميقات يَوْمٍ مَعْلُومٍ‏}‏ أي‏:‏ قل إن متقدم الخلق ومتأخرهم، الجميع سيبعثهم الله ويجمعهم لميقات يوم معلوم، قدره الله لعباده، حين تنقضي الخليقة، ويريد الله تعالى جزاءهم على أعمالهم التي عملوها في دار التكليف‏.‏

‏{‏ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ‏}‏ عن طريق الهدى، التابعون لطريق الردى، ‏{‏الْمُكَذِّبُونَ‏}‏ بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما جاء به من الحق والوعد والوعيد‏.‏

‏{‏لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ‏}‏ وهو أقبح الأشجار وأخسها، وأنتنها ريحا، وأبشعها منظرا‏.‏

‏{‏فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ‏}‏ والذي أوجب لهم أكلها ـ مع ما هي عليه من الشناعةـ الجوع المفرط، الذي يلتهب في أكبادهم وتكاد تنقطع منه أفئدتهم‏.‏ هذا الطعام الذي يدفعون به الجوع، وهو الذي لا يسمن ولا يغني من جوع‏.‏

وأما شرابهم، فهو بئس الشراب، وهو أنهم يشربون على هذا الطعام من الماء الحميم الذي يغلي في البطون شرب الإبل الهيم أي‏:‏ العطاش، التي قد اشتد عطشها، أو ‏[‏أن الهيم‏]‏ داء يصيب الإبل، لا تروى معه من شراب الماء‏.‏

‏{‏هَذَا‏}‏ الطعام والشراب ‏{‏نُزُلُهُم‏}‏ أي‏:‏ ضيافتهم ‏{‏يَوْمَ الدِّينِ‏}‏ وهي الضيافة التي قدموها لأنفسهم، وآثروها على ضيافة الله لأوليائه‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا‏}‏

ثم ذكر الدليل العقلي على البعث، فقال‏:‏ ‏{‏نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ‏}‏ أي‏:‏ نحن الذين أوجدناكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، من غير عجز ولا تعب، أفليس القادر على ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏؟‏ بلى إنه على كل شيء قدير، ولهذا وبخهم على عدم تصديقهم بالبعث، وهم يشاهدون ما هو أعظم منه وأبلغ‏.‏

‏[‏58ـ 62‏]‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ‏}‏

أي‏:‏ أفرأيتم ابتداء خلقتكم من المني الذي تمنون، فهل أنتم خالقون ذلك المني وما ينشأ منه‏؟‏ أم الله تعالى الخالق الذي خلق فيكم من الشهوة وآلتها من الذكر والأنثى، وهدى كلا منهما لما هنالك، وحبب بين الزوجين، وجعل بينهما من المودة والرحمة ما هو سبب للتناسل‏.‏

ولهذا أحالهم الله تعالى على الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ‏}‏ أن القادر على ابتداء خلقكم، قادر على إعادتكم‏.‏

‏[‏63ـ 67‏]‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ‏}‏

وهذا امتنان منه على عباده، يدعوهم به إلى توحيده وعبادته والإنابة إليه، حيث أنعم عليهم بما يسره لهم من الحرث للزروع والثمار، فتخرج من ذلك من الأقوات والأرزاق والفواكه، ما هو من ضروراتهم وحاجاتهم ومصالحهم، التي لا يقدرون أن يحصوها، فضلا عن شكرها، وأداء حقها، فقررهم بمنته، فقال‏:‏ ‏{‏أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ‏}‏ أي‏:‏ أأنتم أخرجتموه نباتا من الأرض‏؟‏ أم أنتم الذين نميتموه‏؟‏ أم أنتم الذين أخرجتم سنبله وثمره حتى صار حبا حصيدا وثمرا نضيجا‏؟‏ أم الله الذي انفرد بذلك وحده، وأنعم به عليكم‏؟‏ وأنتم غاية ما تفعلون أن تحرثوا الأرض وتشقوها وتلقوا فيها البذر، ثم بعد ذلك لا علم عندكم بما يكون بعد ذلك، ولا قدرة لكم على أكثر من ذلك ومع ذلك، فنبههم على أن ذلك الحرث معرض للأخطار لولا حفظ الله وإبقاؤه لكم بلغة ومتاعا إلى حين‏.‏

فقال‏:‏ ‏{‏لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ‏}‏ أي‏:‏ الزرع المحروث وما فيه من الثمار ‏{‏حُطَامًا‏}‏ أي‏:‏ فتاتا متحطما، لا نفع فيه ولا رزق، ‏{‏فَظَلْتُم‏}‏ أي‏:‏ فصرتم بسبب جعله حطاما، بعد أن تعبتم فيه وأنفقتم النفقات الكثيرة ‏{‏تَفَكَّهُونَ‏}‏ أي‏:‏ تندمون وتحسرون على ما أصابكم، ويزول بذلك فرحكم وسروركم وتفكهكم، فتقولون‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَمُغْرَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ إنا قد نقصنا وأصابتنا مصيبة اجتاحتنا‏.‏

ثم تعرفون بعد ذلك من أين أتيتم، وبأي سبب دهيتم، فتقولون‏:‏ ‏{‏بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ‏}‏ فاحمدوا الله تعالى حيث زرعه الله لكم، ثم أبقاه وكمله لكم، ولم يرسل عليه من الآفات ما به تحرمون نفعه وخيره‏.‏

‏[‏68ـ 70‏]‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ‏}‏

لما ذكر تعالى نعمته على عباده بالطعام، ذكر نعمته عليهم بالشراب العذب الذي منه يشربون، وأنهم لولا أن الله يسره وسهله، لما كان لكم سبيل إليه، وأنه الذي أنزله من المزن، وهو السحاب والمطر، ينزله الله تعالى فيكون منه الأنهار الجارية على وجه الأرض وفي بطنها، ويكون منه الغدران المتدفقة، ومن نعمته أن جعله عذبا فراتا تسيغه النفوس، ولو شاء لجعله ملحا أجاجا مكروها للنفوس‏.‏ لا ينتفع به ‏{‏فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ‏}‏ الله تعالى على ما أنعم به عليكم‏.‏

‏[‏71ـ 74‏]‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ‏}‏

وهذه نعمة تدخل في الضروريات التي لا غنى للخلق عنها، فإن الناس محتاجون إليها في كثير من أمورهم وحوائجهم، فقررهم تعالى بالنار التي أوجدها في الأشجار، وأن الخلق لا يقدرون أن ينشئوا شجرها، وإنما الله تعالى الذي أنشأها من الشجر الأخضر، فإذا هي نار توقد بقدر حاجة العباد، فإذا فرغوا من حاجتهم، أطفأوها وأخمدوها‏.‏

‏{‏نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً‏}‏ للعباد بنعمة ربهم، وتذكرة بنار جهنم التي أعدها الله للعاصين، وجعلها سوطا يسوق به عباده إلى دار النعيم، ‏{‏وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ‏}‏ أي‏:‏ ‏[‏المنتفعين أو‏]‏ المسافرين وخص الله المسافرين لأن نفع المسافر بذلك أعظم من غيره، ولعل السبب في ذلك، لأن الدنيا كلها دار سفر، والعبد من حين ولد فهو مسافر إلى ربه، فهذه النار، جعلها الله متاعا للمسافرين في هذه الدار، وتذكرة لهم بدار القرار، فلما بين من نعمه ما يوجب الثناء عليه من عباده وشكره وعبادته، أمر بتسبيحه وتحميده فقال‏:‏ ‏{‏فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ‏}‏ أي‏:‏ نزه ربك العظيم، كامل الأسماء والصفات، كثير الإحسان والخيرات، واحمده بقلبك ولسانك، وجوارحك، لأنه أهل لذلك، وهو المستحق لأن يشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى‏.‏

























[‏75ـ 87‏]‏ ‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ * فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏

أقسم تعالى بالنجوم ومواقعها أي‏:‏ مساقطها في مغاربها، وما يحدث الله في تلك الأوقات، من الحوادث الدالة على عظمته وكبريائه وتوحيده‏.‏

ثم عظم هذا المقسم به، فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ‏}‏ وإنما كان القسم عظيما، لأن في النجوم وجريانها، وسقوطها عند مغاربها، آيات وعبرا لا يمكن حصرها‏.‏

وأما المقسم عليه، فهو إثبات القرآن، وأنه حق لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم أي‏:‏ كثير الخير، غزير العلم، فكل خير وعلم، فإنما يستفاد من كتاب الله ويستنبط منه‏.‏

‏{‏فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ‏}‏ أي‏:‏ مستور عن أعين الخلق، وهذا الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ أي‏:‏ إن هذا القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، معظم عند الله وعند ملائكته في الملأ الأعلى‏.‏

ويحتمل أن المراد بالكتاب المكنون، هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة الذين ينزلهم الله بوحيه وتنزيله وأن المراد بذلك أنه مستور عن الشياطين، لا قدرة لهم على تغييره، ولا الزيادة والنقص منه واستراقه‏.‏

‏{‏لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا يمس القرآن إلا الملائكة الكرام، الذين طهرهم الله تعالى من الآفات، والذنوب والعيوب، وإذا كان لا يمسه إلا المطهرون، وأن أهل الخبث والشياطين، لا استطاعة لهم، ولا يدان إلى مسه، دلت الآية بتنبيهها على أنه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر، كما ورد بذلك الحديث، ولهذا قيل أن الآية خبر بمعنى النهي أي‏:‏ لا يمس القرآن إلا طاهر‏.‏

‏{‏تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ أي‏:‏ إن هذا القرآن الموصوف بتلك الصفات الجليلة هو تنزيل رب العالمين، الذي يربي عباده بنعمه الدينية والدنيوية، ومن أجل تربية ربى بها عباده، إنزاله هذا القرآن، الذي قد اشتمل على مصالح الدارين، ورحم الله به العباد رحمة لا يقدرون لها شكورًا‏.‏

ومما يجب عليهم أن يقوموا به ويعلنوه ويدعوا إليه ويصدعوا به، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ أفبهذا الكتاب العظيم والذكر الحكيم أنتم تدهنون أي‏:‏ تختفون وتدلسون خوفا من الخلق وعارهم وألسنتهم‏؟‏ هذا لا ينبغي ولا يليق، إنما يليق أن يداهن بالحديث الذي لا يثق صاحبه منه‏.‏

وأما القرآن الكريم، فهو الحق الذي لا يغالب به مغالب إلا غلب، ولا يصول به صائل إلا كان العالي على غيره، وهو الذي لا يداهن به ولا يختفى، بل يصدع به ويعلن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ‏}‏ أي‏:‏ تجعلون مقابلة منة الله عليكم بالرزق التكذيب والكفر لنعمة الله، فتقولون‏:‏ مطرنا بنوء كذا وكذا، وتضيفون النعمة لغير مسديها وموليها، فهلا شكرتم الله تعالى على إحسانه، إذ أنزله الله إليكم ليزيدكم من فضله، فإن التكذيب والكفر داع لرفع النعم وحلول النقم‏.‏

‏{‏فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون المحتضر في هذه الحالة، والحال أنا نحن أقرب إليه منكم، بعلمنا وملائكتنا، ولكن لا تبصرون‏.‏

‏{‏فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ‏}‏ أي‏:‏ فهلا إذا كنتم تزعمون، أنكم غير مبعوثين ولا محاسبين ومجازين‏.‏

ترجعون الروح إلى بدنها ‏{‏إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ وأنتم تقرون أنكم عاجزون عن ردها إلى موضعها، فحينئذ إما أن تقروا بالحق الذي جاءكم به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإما أن تعاندوا وتعلم حالكم وسوء مآلكم‏.‏

‏[‏88ـ 96‏]‏ ‏{‏فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ‏}‏

ذكر الله تعالى أحوال الطوائف الثلاث‏:‏ المقربين، وأصحاب اليمين، والمكذبين الضالين، في أول السورة في دار القرار‏.‏

ثم ذكر أحوالهم في آخرها عند الاحتضار والموت، فقال‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا إِنْ كَانَ‏}‏ الميت ‏{‏مِنَ الْمُقَرَّبِينَ‏}‏ وهم الذين أدوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وفضول المباحات‏.‏

‏{‏فـ‏}‏ لهم ‏{‏رَوْحٌ‏}‏ أي‏:‏ راحة وطمأنينة، وسرور وبهجة، ونعيم القلب والروح، ‏{‏وَرَيْحَانٌ‏}‏ وهو اسم جامع لكل لذة بدنية، من أنواع المآكل والمشارب وغيرهما، وقيل‏:‏ الريحان هو الطيب المعروف، فيكون تعبيرا بنوع الشيء عن جنسه العام

‏{‏وَجَنَّةُ نَعِيمٍ‏}‏ جامعة للأمرين كليهما، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيبشر المقربون عند الاحتضار بهذه البشارة، التي تكاد تطير منها الأرواح من الفرح والسرور‏.‏

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أن لَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ‏}‏

وقد أول قوله تبارك تعالى‏:‏ ‏{‏لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ‏}‏ أن هذه البشارة المذكورة، هي البشرى في الحياة الدنيا‏.‏

‏[‏وقوله‏:‏‏]‏ ‏{‏وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ‏}‏ وهم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، و ‏[‏إن‏]‏ حصل منهم التقصير في بعض الحقوق التي لا تخل بتوحيدهم وإيمانهم، ‏{‏فـ‏}‏ يقال لأحدهم‏:‏ ‏{‏سَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ‏}‏ أي‏:‏ سلام حاصل لك من إخوانك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://algafaryhbcoomombo.forumegypt.net
 
{ مختصر تفسير سورة الواقعة }
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الطريقة الجعفرية بساحة كوم أمبو :: الفئة الأولى :: فى رحاب القرآن الكريم :: تفسير القرآن الكريم-
انتقل الى: